أبي الفرج الأصفهاني

138

الأغاني

كان [ 1 ] لي وأنا صبيّ عقعق [ 2 ] قد ربّيته وكان يتكلَّم بكلّ شيء سمعه ، فسرق خاتم ياقوت كان لأبي [ 3 ] قد وضعه على تكأته ودخل الخلاء ثم خرج ولم يجده ، فطلبه وضرب غلامه الذي كان واقفا ، فلم يقف له على خبر ؛ فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا فأخرج الخاتم منه ولعب به طويلا ، ثم ردّه فيه ودفنه ، فأخذته وجئت به إلى أبي ، فسرّ بذلك وقال يهجو العقعق : إذا بارك اللَّه في طائر فلا بارك اللَّه في العقعق طويل الدّنابى [ 4 ] قصير الجناح متى ما يجد غفلة يسرق يقلَّب عينين في رأسه كأنهما قطرتا زئبق قصته مع ابن جامع بين يدي الرشيد وما كان منه في رضا الرشيد عن محمد الزف : أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن المكَّيّ ، وذاكرت أبا أحمد بن جعفر جحظة بهذا الخبر فقال حدّثني به محمد بن أحمد بن يحيى المكي / المرتجل [ 5 ] عن أبيه عن جدّه ، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه حمدون بن إسماعيل فجمعت الروايات كلَّها : / أنّ الرشيد قال يوما لجعفر بن يحيى : قد طال سماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها فهلمّ أقاسمك إياها وأخايرك ، فاقتسما المغنّين ، على أن جعلا بإزاء كل رجل نظيره ، وكان ابن جامع في حيّز الرشيد وإبراهيم في حيّز جعفر بن يحيى ، وحضر الندماء لمحنة [ 6 ] المغنّين ، وأمر الرشيد ابن جامع فغنّى صوتا أحسن فيه كلّ الإحسان وطرب الرشيد غاية الطرب ، فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم : هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنّه ؛ فقال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ما أعرفه ، وظهر الانكسار فيه ؛ فقال الرشيد لجعفر : هذا واحد ، ثم قال لإسماعيل بن جامع : غنّ يا إسماعيل ، فغنّى صوتا ثانيا أحسن من الأول وأرضى في كل حال ، فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم : هاته يا إبراهيم ، قال : ولا أعرف هذا ؛ فقال : هذان اثنان ، غنّ يا إسماعيل ، فغنّى ثالثا يتقدّم الصوتين الأوّلين ويفضلهما ، فلما أتى على آخره ، قال : هاته يا إبراهيم ، قال : ولا أعرف هذا أيضا ؛ فقال له جعفر : أخريتنا أخزاك اللَّه . قال : وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به ، وأجازه بجوائز كثيرة وخلع عليه خلعا فاخرة ، ولم يزل إبراهيم منخذلا منكسرا حتى انصرف . قال : فمضى إلى منزله ، فلم يستقرّ فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزّف [ 7 ] ، وكان محمد من المغنّين المحسنين ، وكان أسرع من عرف في أيامه في أخذ صوت يريده أخذه ، وكان الرشيد قد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله فألزمه بيته وتناساه ؛ فقال إبراهيم للزّف : إني اخترتك على من هو

--> [ 1 ] في ب ، س ، م : « وكان » . [ 2 ] العقعق : طائر على قدر الحمامة وهو على شكل الغراب ، وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة ، والعرب تتشاءم به وتضرب به المثل في السرقة والخيانة والخبث . [ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر النسخ : « فوضعه » . [ 4 ] الذنابي : الذنب . [ 5 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « المرتحل » بالحاء المهملة ، وهو تصحيف . [ 6 ] المحنة : الاختبار ، يقال : محنه إذا اختبره وجرّبه . [ 7 ] في ط ، ء : « الرف » ( بالراء المهملة ) . ( راجع الحاشية رقم 2 ص 306 من الجزء الأوّل من « الأغاني » من هذه الطبعة ) .